*خبير المحاسبة المجاز والباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب اليوم في جريدة البناء بعنوان:*
*ترامب يُخرّب الكرة الأرضية...!*
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساره التخريبي للكرة الأرضية كلها، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية نفسها التي لم تسلَم من خبطاته، ولا ندري حتى الآن إذا كنا نستطيع القول إنها عشوائية، رغم أنّ مؤشرات عديدة توحي بذلك وخاصة الآثار السلبية الهائلة التي خلفتها على مستوى الاقتصاد العالمي بأسره، وعلى العلاقات الدولية في أربع جهات الأرض.
بطبيعة الحال هناك مشكلة كبيرة في الاقتصاد الأميركي، وعلى كلّ رئيس أميركي أن يفكر مع أركان إدارته في طريقة إنقاذ هذا الاقتصاد من أزماته، لكن المنطقي أن تكون المعالجات في دولة بحجم الولايات المتحدة مدروسة أكثر والخطوات متأنية، لكي يكون بالإمكان ضبط النتائج ومواجهة مفاعيلها السلبية، لأنّ الأمر الطبيعي أن تكون هناك انعكاسات سلبية مرحلية لخطط العلاج والإنقاذ.
أما الطريقة التي اعتمدها ترامب ومعاونوه فهي أقرب إلى العلاج بالصدمة، والذي يؤدي إلى نتائج صادمة أيضاً وبالدرجة الأولى على الاقتصاد الأميركي نفسه، حيث شهدنا يوم الجمعة الماضي كيف كان ردّ فعل بورصة نيويورك التي بلغت خسائرها في يوم واحد أكثر من 5%، بما يعني أنّ حجم الخسائر يزيد عن 5 تريليون دولار على اعتبار أنّ حجم السوق يُقدّر بنحو 100 تريليون دولار. وقد تكون الخسائر أكثر بكثير بعد عطلة نهاية الأسبوع مع عودة البورصة إلى العمل اليوم الاثنين.
على أنّ هذا الأمر ليس التأثير الوحيد، إذ بدأت كلّ دول العالم بدراسة ما سوف تتخذه من سياسات اقتصادية وجمركية في مقابل الإجراءات الأميركية، وقد بدأت الصين بالفعل تعلن عن ردودها بدءاً بفرض رسوم جمركية مماثلة بنسبة 34% على المنتجات الأميركية، وسوف تفعل مثلها دول كثيرة لردّ الضرر عنها وحماية منتجاتها وأسواقها، الأمر الذي سينعكس سلباً بلا شك على الولايات المتحدة واقتصادها ومنتجاتها.
وهنا تكمن المشكلة الأميركية بالضبط، حيث لم تعد واشنطن تمتلك القدرات الكافية لاتخاذ إجراءات تأديبية، كما كانت تفعل في مطلع تسعينيات القرن الماضي حين أصبحت التعاملات في الأسواق العالمية تتمّ بالدولار الأميركي بنسبة 90% وربما أكثر، فكانت تحلّ أكبر المشاكل من خلال طباعة المزيد من الدولارات التي تحتاجها الأسواق العالمية، لكن واقع الحال اليوم ليس كذلك إذ انخفض التعامل بالدولار عالمياً إلى ما دون الـ 50%، وهذا يعني أنّ الأسواق تستغني عن الدولار شيئاً فشيئاً، وبالتالي لم تعد هذه الأسواق في خدمة مطابع المال في الولايات المتحدة، التي عليها الانتظار لسنوات مقبلة لكي تبدأ تأثيرات سياسة ترامب تعطي بعض النتائج الإيجابية في ما يخصّ الصناعات الأميركية العائدة إلى الداخل لأنّ إنتاجها في الخارج تعرّض لأضرار كبيرة كونه أُخضِع للرسوم الجمركية الباهظة الكلفة مثله مثل أيّ سلع أخرى يتمّ استيرادها من الخارج إلى الأسواق الأميركية.
الأمور بحاجة إلى مراقبة ومتابعة لكي تتضح الصورة أكثر فأكثر، على أنّ الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه نحن في لبنان، رغم أنّ حجم اقتصادنا لا يمكن أن يُقارن بالاقتصاد الأميركي لا من قريب ولا من بعيد، لكن يبقى الأمر الأساسي والبعيد المدى الذي يجب العمل عليه ووضع الخطط اللازمة للبدء بتنفيذه هو كيفية دعم صناعاتنا الوطنية الواعدة في قطاعات عديدة، تماماً كما تفعل كلّ دول العالم، لأنّ الصناعة هي قاطرة الاقتصاد، وهي إلى جانب الزراعة والسياحة والخدمات والتكنولوجيا تمثل قطاعات الاقتصاد الحقيقي التي تحقق التنمية والنمو بعيداً عن فقاعة الاقتصاد الوهمي القائم على المضاربات المالية والعقارية التي أوْصلتنا إلى الكارثة التي نعاني من تداعياتها حتى اليوم.
دعوتنا اليوم للجميع هي أن نستفيد من تجاربنا السابقة المريرة، وأن نضع السياسات الاقتصادية والإنمائية التي تناسب حجم اقتصادنا، خاصة أنّ أصحاب نظريات اقتصاد العولمة يخرجون منها اليوم ويعودون إلى الاقتصاد الحقيقي، ونحن قادرون "على قدّنا" أن نفعل ذلك من أجل بلدنا وأجيالنا الطالعة...


